ابن العربي

348

أحكام القرآن

وروى معدان بن أبي طلحة قال : خطب عمر بن الخطاب يوم الجمعة فقال : إني لا أدع بعدي شيئا هو أهمّ عندي من الكلالة . وفي رواية : أهمّ عندي من الجد والكلالة ، وما راجعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في شيء ما راجعته في الكلالة ، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها حتى طعن بإصبعه في صدري ، وقال : يا عمر ؛ أما تكفيك آية الصيف ، يعنى الآية التي في آخر سورة النساء . قال : وإن أعش أقض فيها بقضية يقضى بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن . فإذا كان هذا أمرا وقف في وجه عمر فمتى يسفر لنا عنه وجه النظر ؟ لكن الآن نرد في اقتحام هذا الوعر « 1 » بنيّة وعلم ، فنقول فيهما واللّه الموفق المنعم : إن الكلالة وإن كانت معروفة لغة متواردة على معان متماثلة ومتضادّة فعلينا أن نتبصّر مواردها في الشريعة فنقول : وردت في آيتين : إحداهما هذه ، والأخرى التي في آخر سورة النساء كما تقدّم ، فأما هذه فهي التي لا ولد فيها ولا والد وفيها إخوة لأم . وأما التي في آخر سورة النساء فهي التي لا ولد ذكرا فيها ، وهم إخوة لأب وأم أو إخوة لأب أو أخوات لأب وأم وجدّ ، فجاءت هذه الآية لبيان حال الإخوة من الأم ، وجاءت في آخر سورة النساء لبيان إخوة الأعيان والعلّات حتى يقع البيان بجميع الأقسام ، ولو شاء ربك لجمعه وشرحه . وكان عمر يطلب من النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم النصّ القاطع للعذر ، وهو عليه السلام يحمله على البيان الواقع مع الإطلاق الذي وكل فيه إلى الاجتهاد بالأخذ من اللغة ومقاطع القول ومرابط البيان ومفاصله . وهذا نصّ في جواز الاجتهاد ، ونصّ في التكلّم بالرأي المستفاد عند النظر الصائب . وإذا ثبت فيه النظر فإنّه يصحّ في ذلك أنّ معنى الكلالة من « كلّ » أي بعد ، ومن « تكلل » أي أحاط على معنيين : أحدهما - أن يكون على معنى السلب « 2 » ، كما يقال فاز في المفازة أي انتفى له الفوز . والثاني - أن الإحاطة وجدت مع فقد السبب الذي يقتضى الإحاطة وهو قرب النسب .

--> ( 1 ) في ا : الوعد ، وهو تحريف . ( 2 ) يريد النفي .